محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي ( ابن السراج )
857
جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب
النفس . ولما احتضر عمرو بن العاصي جعل يده في موضع الغلّ « 1 » من عنقه ، ثم قال : اللّهمّ إنّك أمرتنا فتركنا « 2 » ، ونهيتنا فركبنا ، اللّهمّ لا يسعنا إلّا رحمتك ؛ فلم يزل ذلك هجّيراه « 3 » حتّى قبض رحمه اللّه . ولما مات ذرّ بن عمر [ بن ذرّ ] « 4 » ، قال لأصحابه : الآن يضيع الشيخ ؛ / لأنّه كان به بارّا ؛ فسمعها الشيخ ، فقال : أنّى أضيع ، واللّه حيّ لا يموت ! فلمّا واراه التراب وقف على قبره ، فقال : رحمك الله يا ذرّ ! ما علينا بعدك من خصاصة ، وما بنا إلى أحد مع اللّه - عزّ وجلّ - حاجة ، وما يسرّني أنّي كنت المقدّم قبلك ، ولولا هول المطّلع لتمنّيت أن أكون مكانك ، لقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك ، فيا ليت شعري ، ماذا قلت ، وماذا قيل لك ؟ ثم رفع رأسه إلى السّماء ، فقال : اللّهمّ إنّي قد وهبت لك حقّي فيما بيني وبينه ، فهب له حقّك فيما بينك وبينه . وقال « 5 » محمد بن سليمان ، وقد أقام على قبر ابنه : اللّهمّ إنّي أرجوك له ، وأخافك عليه ، فحقّق رجائي ، وآمن خوفي . وقال ربعيّ بن خراش : أتيت أهلي ، فقيل لي : مات أخوك ، فوجدت أخي مسجئ عليه بثوب ، فبينما أنا عند رأسه ، أترحّم عليه « 6 » ، وأستغفر له إذ كشف الثوب عن وجهه ، فقال : السلام عليكم ، فقلنا : وعليك السلام ، سبحان اللّه ! بعد الموت ! فقال : إنّي تلقّيت بروح وريحان وربّ غير غضبان ، فكساني ثيابا من سندس وإستبرق ، ووجدت الأمر أيسر ممّا تظنون ، فلا تتكلوا ؛ إنّي استأذنت ربّي أن أخبركم
--> ( 1 ) الخبر في ( عيون الأخبار 2 / 310 ) مع اختلاف يسير والغلّ : الطّوق من حديد أو جلد يجعل في عنق الأسير أو المجرم . ( 2 ) في ( عيون الأخبار ) : « ففرطنا » . ( 3 ) الهجيرى : كثرة الكلام والدأب والعادة ، ويقال : ما زال هذا هجيراه : ما يولع بذكره . ( 4 ) الخبر في ( عيون الأخبار 2 / 313 ) والزيادة عنه . ( 5 ) القول في ( عيون الأخبار 2 / 316 ) . ( 6 ) بالمخطوط : « أترحّم له عليه » . والخبر في ( عيون الأخبار 2 / 317 ) . وفيه : « أترحم عليه وأدعو له » .